‏إظهار الرسائل ذات التسميات وجوه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وجوه. إظهار كافة الرسائل

10 يوليو 2017

المرأة شاعرة في الأعمال التجريدية لليمني مظهر نزار

 أحمد الأغبري 
 تميَّز مظهر نزار (1958)، على مدى تجربته التشكيلية، بالاشتغال على ثنائية المرأة والتراث، وفق رؤية حداثية تنطلق من الواقع، وتستند إلى مخيلة شعرية يغوص بواسطتها في دواخل العالم الأنثوي، والتعبير من خلالها عن أحاسيسه الناتجة عن مشاهداته؛ فتأتي لوحاته لتوحي لا لتُعرّف عبر ما تتناوله من عالم جمالي لا حدود لتفصيلاته الغامضة، ومؤثراته ورموزه المنظومة بإيقاعية، كأنها قصيدة؛ وهي كذلك لكنها مكتوبة بأبجدية لونية يتفرد بها رؤيوياً وتقنياً.
وهي لوحة بقدر ما امتاز بها على مجايليه من فناني الصف الثاني في التشكيل اليمني، بتعبيريتها التجريدية وخصوصيتها التقنية؛ إلا أنها تمثل تحدياً لمهارته في تجديد اللوحة؛ وهو تحدٍ بقدر ما أثبت الفنان قدرته على استغلاله لتعزيز حضوره، يبقى الخوف منه قائماً، وهو خوف لا ينكره الفنان.

 أطفال اليمن في «روايات صادمة» عن الحرب بأفكار خضراء

أحمد الأغبري 
    لم تخل لوحة من لوحات ورشة فنية حرة للأطفال شهدتها صنعاء مؤخراً من دلالات عميقة ومباشرة عن معاناة أطفال بلادهم وحاجتهم الماسة للسلام وتجاوز جراح الحرب النازفة. وتبرز قيمة معرض الورشة فيما روته اللوحات من شهادات قاسية ترجمتها فرشات بريئة قال من خلالها (الصغار) شهاداتهم ومن ثم عادوا لبيوتهم مثقلين بأحزانهم وأحلامهم ومزدانين، أيضاً، بأفكارهم الخضراء في وجه العتمة. 

صاحبة أوّل مكتبة في شبه الجزيرة العربية قبل 125 سنة : عائلة عُبادي وحكاية مكتبة عدن ووقفيّة صنعاء

            أحمد الأغبري
ليسَ مُستغرَباً تدشين نشاط أول مؤسسة ثقافية وقفية في صنعاء مؤخراً، فيما البلد يشهد نزاعاً تُزهق فيه الأرواح ويتمدد معه الدمار منذ أكثر من عامين.
تبقى الحياة الثقافية مصدراً للأمل الذي يفترض أن يبقى رصيده أخضر في مواجهة أعطاب الحرب ونزيفها؛ فالأمل وحده كاف لتجاوز المحطات الصعاب في أي تجربة، فما بالك بتجربة شعب تنكّرت كل مكوناته المؤثرة لتاريخه وحضارته، وذهبت تتنازع السلطة والثروة على جماجم ابنائه. 
   لقراءة المزيد..................

عبدالعزيز المقالح: كلما ازدادت الشعوب تقدماً زاد اهتمامها بالشعر

أحمد الأغبري
في حديثه عن تجربته مع قراءة وتدريس الشعر والاحتفال بيومه العالمي يستحضر الشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح، عدداً من الذكريات والرؤى، في حوار مع «القدس العربي»، بدءاً من رؤيته تجاه واقع الشعر اليوم، وتجربة قراءته وتدريسه، وغيرها من المحطات، بما فيها إقرار يومه العالمي، وذكريات الاحتفال به يمنياً في حديقة عامة، ومن ثم في سوق، حيث «كانت مساحة السوق غاصة بالناس، وكان ضجيج الأصوات وتداخلها يُثبت استحالة سماع أصوات الشعراء إلاَّ أننا ما كدنا نبدأ حتى غمر الساحة حال من الصمت غير المسبوق، وبدأ الحضور يتجمعون حول المنصة مُنصِتين، وكأن على رؤوسهم الطير، وأتضح ألا مشكلة بين الشاعر والجمهور».   

«ايماني بالفن أقوى من احباطات الواقع المحلي»: اليمني ناصر النُصاري: خط الثُلث يُرضي غروري

حوار أحمد الأغبري:
   يعتقد أن الفنون البصرية، عموماً، لا يمكن لها أن تحقق أهدافها في ثقافة المجتمع، مثلما هي في وعي الفنان، بدون استيعاب جماليات الخط العربي، معتبراً أن (الفن الإسلامي) بتراكماته الحضارية قد صار منهلاً من مناهل الفنون في العالم، وانطلاقاً من هذا الايمان صار مُدرجاً ضمن مناهج أعرق الجامعات والكليات الفنية.



8 مارس 2017

رحيل المسرحي اليمني يحيى السنحاني بعد رحلة طويلة مع المرض والجحود

                                           
أحمد الأغبري
توفي أمس الأحد المسرحي اليمني يحيى السنحاني (1950- 2017) بعد رحلة صراع مريرة مع المرض، تنكرت له خلالها كل أشكال السلطة في اليمن، التي لم تعره أي اهتمام، ليبقى طريح الفراش في شقته المتواضعة في حي شيراتون في صنعاء؛ يُعاني أوجاعا متعددة جراء مرض ضمور الدماغ، ليؤدي عدم خضوعه للعلاج إلى تدهور صحته وفقدانه تدريجياً بعض قدراته وحواسه، بما فيها النطق والبصر والتذكر، وكأن بهجته التي استوطنت روحه منذ طفولته هي التي مكنته من الصمود كل هذه السنوات أمام هذا المرض الفتاك، وكل هذا الجحود والتجاهل لأدواره وإسهاماته في تأسيس خشبة المسرح الحديث في صنعاء وتطوير الدراما التلفزيونية والإذاعية اليمنية لأكثر من أربعة عقود، حتى توفاه الموت الأحد 5 آذار/ مارس الجاري لتتواتر بيانات النعي في مفارقة شديدة الغرابة.

28 فبراير 2017

التشكيلي اليمني مُحَمّد صُوفان يلون المطر في أزقة صنعاء القديمة



                                                  أحمد الأغبري
 
 قد يكون مُحَمّد صُوفان (1960)، هو أول تشكيلي يمنيّ تعامل مع عالم "المطر" أو ما يطلق عليه( لوحة المطر)، لتنطلق تجربته الخاصة مستندة إلى جزئيتين في علاقة الفن التشكيلي بالمطر؛ فتعامل بمهارة، في الجُزئية الأولى، مع (البُعد المادي) لتأثير المطر على   المنظور الواقعي للمكان والانسان في المدينة التقليدية؛ فنسج سطوحه بدقة وعناية وفق ميزان وإحساس دقيق مستوعباً القيم والمعايير الجديدة لأدواته وتقنياته مع لوحة تتعامل مع الغيم والبلل بدرجات ومعان مختلفة يُعيد بها اكتشاف سحر المطر في علاقته بهذا المكان ...
          كما استطاع صُوفان أن ينفد، في الجُزئية الثانية ذات العلاقة بـ(البُعد الحسي) إلى متون المناظر (المغسولة)، مُستنطِقاً أثر المطر في الإحساس الإنساني مؤنسناً بذلك المحمولات الشكلية والسطوح اللونية وانعكاساتها الضوئية والظلّية، وصولاً إلى انفتاح اللوحة أمام المشاهد؛ فيتماهى معها؛ حداً قد يشعر بوقع رذاذ المطر ويتنسم رائحته ، لدرجة قد يشعر كأن الطقس ماطر بينما المطر لم يتجاوز اللوحة.      اضغط الرابط لمواصلة القراءة

7 ديسمبر 2016

اليمني زكيّ يافعي… قراءة مختلفة في «التشكيل» الواقعي

                                           أحمد الأغبري

      تَحضرُ الواقعية في المحترف التشكيلي اليمني بشكل مختلف عما عداه عربيا لأسباب متعلقة بعدم وجود أكاديميات فنية، بالإضافة إلى الخصوصية الجمالية للبيئة المحلية المُتميزة بتفاصيل وملامح ماتزال تستهوي الفنانين. ولم يتجاوز معظم فناني جيلي الوسط والشباب، هذه المدرسة، بل أن بعضهم تجاوز النقل والرتابة وانتقل برؤيته وتقنيته إلى مستوى صارت معه لوحته الواقعية جديرة بالتوقف أمامها دهشة وإعجابا وتساؤلا أيضا. 

15 أكتوبر 2016

مُحَمّد الغربي عِمران: تخلصتُ من الاعتقاد في المُسلّمات

                                            

                                                                   أحمد الأغبري

تمثل روايته «مسامرة الموتى» سلسلة روايات الهلال ـ القاهرة آب/أغسطس 2016 محطة متقدمة تقنياً وموضوعياً في مسار تجربته الروائية التي يواصل من خلالها النيل مما يعتبره زيف التاريخ، من خلال أعمال أدبية صرفة لا تهتم بسرد الوقائع وإن كانت تمثل مغامرات في متن التاريخ؛ إلا أن الكاتب اليمني مُحَمّد الغربي عِمران (1958) يهتم بالحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية لشخصيات التاريخ ويشتغل عليها روائياً في أعمال فنية ترتكز على تصورات وخيالات الكاتب، لكنها تصطدم بما أصبح يقيناً تاريخياً في الوعي العام. 

30 أغسطس 2016

عبد الله البردوني ...أنات وتساؤلات

عبد الله البردوني ... أنات وتساؤلات 
                                                                 أحمد الأغبري

 نُشر التحقيق عام 2012 ومازالت القضية قائمة 


     في الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الشاعر والأديب اليمني الكبير عبد الله البردوني، وهي الذكرى الأولى التي تحل بعد تغيير النظام في اليمن، ارتفعت أصوات الأدباء في اليمن مطالبة بالكشف عن مصير كتبه غير المنشورة وسرعة توثيق تراثه الثقافي وحمايته من الضياع والتحريف...منددة باستمرار تقاعس المؤسسة الثقافية اليمنية عن تحمل مسؤولياتها تجاه إخراج تراث البردوني إلى النور، وفك الحصار المفروض على مكتبته ومؤلفاته ومخطوطاته التي لم يُعرف مصير معظمها حتى اليوم، والإسراع في تكريمه، وهو التكريم الذي كان يفترض أن تكون الدولة قد بادرت إليه عقب رحيله (30 أغسطس 1999م) من خلال حصر وحفظ تراثه وطباعة كتبه غير المنشورة وإعادة طباعة المنشور منها وتحويل منزله إلى متحف،لكنها لم تبادر حتى لإطلاق اسمه على أحد شوارع العاصمة...

12 أغسطس 2016

أكتب رواية مركزة جداً لأنني لا أؤمن بروايات الكلام الفارغ

 شاكر خصباك: لم انتفع نهائياً لا من العلم ولا من الأدب



                                          حوار أحمد الأغبري


قبل أن يظهر شاكر خصباك (مواليد 1930) عالم الجغرافيا العربي البارز في سبعينيات القرن الماضي كان قد ظهر في الأربعينيات أديباً حقق ظهوراً وحضوراً قوياً أصبح معه من الأسماء الأدبية العراقية المرموقة عربياً، وظلت كتاباته الأدبية متدفقة وفق رؤية 

إلى سليمان العيسى ... بطاقة حُب من وضاح اليمن

إلى سليمان العيسى... بطاقة حُب من وضاح اليمن

                                                            أحمد الأغبري

الشعر طريق زاه بالحُلم والضوء .
القصيدة قافلة الانتصار بالصدق والفن لإنسانيتنا وحريتنا.
الشاعر (حادي الركب) المعتق بأجمل ما فينا ،المتجه بالقافلة صوب أحلامنا..
ثلاثية عبقرية لا تنصهر سوى في شاعر عظيم كسليمان العيسى .

رحل الشاعر العربي الكبير سليمان العيسى عن دنيانا (9أغسطس2013)،لكن شعره سيظل شلالاً من نور يتدفق بعنفوان الحلم العربي، ينابيعاً وجداول لا يتوقف هديرها لتُسقي حدائق أرواحنا الظامئة؛فتزهر وتزهو قيم الحياة على وقع مهرجان الانسان في أغانيه وقصائده التي أنشدها بصدق وفن قلما يلتقيان في شاعر كبير.
بقي سليمان العيسى على مدى ثمانية عقود من الابداع ، صوتاً للجمال والعقل وبينهما الانسان : الثورة والوحدة والحياة الكريمة، محتفياً بالجمال في أسمى صوره ومعانيه وفي مقدمة ذلك الطفولة ،متموضعاً ،في الصفوف الأمامية في المعركة ضد الجهل والاستبداد والتخلف والتشرذم .
زار اليمن وأقام فيها شعراء عرب وأجانب كثيرون ، لكن الشاعر الكبير سليمان العيسى بزًّهم جميعاً بفرادة علاقته بهذا البلد شعراً أعاد من خلاله اكتشاف اليمن في قصائد تأتي ضمن أنضج ما كتبه شعراً ،وترقى إلى مرتبة أجمل وأصدق ما كتبه الشعراء العرب عن مهدهم التاريخي تعبيراً عنها وانفعالاً بآمالها وأحلامها.
خلال زياراته و اقامته في اليمن ، وحتى بعد عودته إلى بلاده ،غنى سليمان العيسى للمكان والتاريخ في بلده (المهد) كما كان يحب تسميته، وصدح بروائع العواطف شعرا ً ساحراً عن الانسان في ترجمات عبقرية لأبسط تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها الشاعر في هذا البلد ، فضلاً عن علاقته بالمكان واحتفائه المختلف بأجمل ما في اليمن في كل تلك المشاهد الساحرة التي اسرته خلال تنقلاته و رحلاته في مدنه وأوديته وجباله، والتي أعاد تصويرها في قصائد موقعة بحبات قلبه؛ لتبقى تلك القصائد منارات ضوء خالدة في سماوات أحلام هذا الشعب ..
قد يستغرب القارئ لدواوينه من ذلك الفيض المتدفق من التفاصيل والمشاهد والخواطر اليمانية الحاضرة بمحبة وجمال وفن في قصائده، وهنا نؤكد على أن تجربته الشعرية في اليمن بقدر ما مثلت مدرسة نهل وتعلم منها الكثير من مبدعي اليمن خاصة، فقد برزت مرحلة شعرية متقدمة في تجربة العيسى أحد أهم قامات الشعرية العربية الحديثة.
مرارة احساسنا بالخسارة الكبيرة – تجعلنا عاجزين عن توقيع بطاقة حب وشكر وعرفان (لائقة ) باسم (وضاح اليمن) إلى الشاعر الكبير سليمان العيسى ،لكننا نقول بقلوب مكلومة: كيف لليمن أن تنساك وقد أعدت صوغ جمالها شموساً جديدة تشرق في شعرك ونثرك المرصع بالجمال والحب والصدق...نحن اليمانيون نتباهى باليمن في أغانيك ؛لأنك – وهذا اعتراف - قد كنت أصدق منا في اكتشافها وانشادها والإصغاء إلى قلبها. في حضرة قصائدك نجد أنفسنا جديرين بالانتصار لأحلامنا ومستقبلنا.
اليمن لن تنساك واحداً من أبنائها وعظماء أمتها ممن كتبوها صدقاً وجمالاً نصوصاً وشهادات عاطرة للتاريخ والأجيال ، وممن منحوا القصيدة العربية فضاء جديداً اخلصتَ فيه للإنسان ،للأحلام بالانعتاق.
يكفي اليمن أن تُعيد قراءة نفسها من خلال ما نسجته روحك – أيها الشاعر العظيم - من قصائد وأغان ضمتها عناوين واصدارات كان اليمن عرسها ومهرجانها :
- من أغاني المهد :صدر عن دار طلاس – دمشق عام 1987م .ويطلق الشاعر كلمة (المهد) على اليمن منذ بدأ الكتابة عنه
- ديوان اليمن : ضم أربع مجموعات شعرية صدرت طبعته الثانية عن الهيئة العامة للكتاب - صنعاء 1999م
- يمانيات : مجموعة شعرية صدرت عن وزارة الثقافة والسياحة - صنعاء عام 2004م .
- أمشي وتنأين : قصائد لصنعاء صدرت عن وزارة الثقافة والسياحة – صنعاء عام 2004م .
- ديوان عدن : صدر عن جامعة عدن ، عام 2004م
- اليمن في شعري : مختارات من شعره اختارتها زوجه الدكتورة ملكة أبيض

وبمزيد من المحبة لليمن أصدر الشاعر من صنعاء – خلال اقامته فيها - عدداً من أهم كتبه كان لمؤسسات يمنية شرف اصدارها :
- ثمالات 4: صدرت عن وزارة الثقافة - صنعاء عام 2004م
- الكتابة بقاء : مجموعة شعرية صدرت عن مؤسسة الابداع للثقافة والاداب والفنون – صنعاء عام 2002م .
- الثمالات شعر ونثر باجزائها الثلاثة : صدرت عن الهيئة العامة للكتاب – صنعاء عام 2001م
- من رحلة الظمأ: مختارات شعرية صدرت عن وزارة الثقافة والسياحة – صنعاء عام 2004م

عاش العيسى قصة حب طويلة مع اليمن (المهد ) لم تبدأ بقدومه إليها ولم تنته بمغادرته لها : قصة تعجز اللغة وعبارات الوصف عن تقديمها وتصويرها والتعبير عنها بالقدر الذي يفيها حقها .
"منك تعلمنا كيف نذرو أقمار أحلامنا في مفازات اليأس كي تثور سنابل حياة ،وتفوز ينابيع أمل" يقول وزير الثقافة السابق ،الكاتب الكبير، خالد الرويشان في أحد المهرجانات الاحتفائية بالشاعر:"احتفاؤنا بك اليوم ،احتفاء الملايين من احفادك ،احتفاء من أنشدتَ، وغنيتَ، وهدهدتَ ، وأنميتَ ،ورعيتَ .اليوم في صنعاء ،نُهديك – أو بالأحرى- نعيدُ إليك وردةَ حب ووفاء – مجرد وردة – قُطفت من بستان سحرك و حدائق بهائك" .

زار سليمان العيسى اليمن لأول مرة في يناير عام 1972م ، وتكررت زياراته ومعه زوجه الدكتورة ملكه أبيض في مناسبات ثقافية وبعضها مع زوجه كأستاذة زائرة في جامعة صنعاء إلى أن تعاقدت معها الجامعة التي كان يرأسها – حينذاك - الدكتور عبد العزيز المقالح، فاستقر بهما المقام في اليمن لنحو عقد ونصف العقد تقريباً.
ماذا عن اللقاء الأول بين الشاعر واليمن ؟.. يتحدث الأديب والصحفي اليمني الراحل عبدالكريم الخميسي قائلاً:"..مازلتُ أذكر ذلك اليوم البعيد ،كيف استقبلنا شاعرنا الكبير في مطار صنعاء ،وفي يده بطاقتان :الأولى سلمها لمندوب الجوازات ،والثانية لمندوب اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين(وكنت أنا ذلك المندوب)...فلما فتحتها وجدتها تحمل العنوان التالي :"بطاقة حب إلى وضاح اليمن " وكانت هي البطاقة التي دخل بها تخوم اليمن ،التاريخ والأرض والانسان ...حيث وجد فيها مهده الأبدي وطفولته الأزلية ؛فأستقر في رحابه واستقر اليمن في وجدانه وصار بين الشاعر وبين هذا البلد أكثر من بطاقة حب وأكثر من رسالة شعر ".
تقول زوجه الدكتورة ملكة أبيض (كتاب وقفات مع سليمان العيسى):"انطلق صوت سليمان العيسى بالنشيد وقلمه بالكتابة عن اليمن :طبيعةً وحضارةً وآلاماً وآمالاً ،تحدوه الدهشة أمام ما يشاهد والعرفان لما يلقى ،فقد طاف معظم أرجاء اليمن والتقى الكثيرين من شيبه وشبابه وأطفاله ".
بكلمات لصديقه شاعر اليمن الكبير الدكتور عبدالعزيز المقالح من مقدمة (ديوان اليمن ) نودع شاعرنا العربي الكبير :" سلاماً وسلاماً ،باسم كل اليمنيين من أبناء هذا المهد الذي خصه الشاعر بكل هذا القدر من العواطف والأغاني".

17 يونيو 2016

التشكيلي اليمني حكيم العاقل… حرب اليمن بعين الطائر


May 27, 2016
http://www.alquds.co.uk/?p=540434
صنعاء ـ «القدس العربي» من أحمد الأغبري:

قد يكون حكيم العاقل (1965)، أول فنان في اليمن اشتغل على لوحة الحرب بتجريدية تعبيرية ترصد وتراقب وتتأمل وتصور ملامح الخوف بكل فصوله، معتمداً على (عين الطائر) في تصوير مناظره من أعلى إلى أسفل، متنقلاً بين مناطق مختلفة، مدينةً وريفا.
لم تقتصر مجموعته الجديدة على الحرب، فعشرة منها للحرب وضعفها للسـلام؛ لأن «السلام هو الحالة الطبيعية، بينما الحرب هي الاستثناء، وقد تعاملتُ مع السلام من خلال مناظر الطبيعة من مخزون ذاكرتي المكانية للبيئة اليمنية بما تحمله من تفرد وخصوصية تسكنني وتعيش معي، بل هي جزء من تكويني الإنساني ومرجعيتي التي لا تنضب» متحدثاً لـ«القدس العربي».
قدَّم حكيم، وهو الحاصل على الماجستير في فن الجداريات في أكاديمية سوريكوف في موسكو، لوحات تنز ألما بتعبيرية تجريدية توحد فيها إحساسه بالمرارة بإحساسه بالخوف مما يجري ومما قد يجري، متميزاً باصطياد اللحظات والربط في مناظرها بين الأشكال الإنسانية المفزوعة والأشكال المعمارية والتفاصيل المحيطة في سردية وشاعرية لونية استعان فيها بذاكرته البصرية وعلاقته الخاصة بالمكان، كحامل حضاري يعكس الهوية… يوضح «الهوية مرتبطة بالفن، وكلاهما تعبير عن الجمال؛ ولهذا أجدني مرتبطا بتلك التفاصيل في لوحتي».
كما اعتمد، في رصد آثار الحرب وتصوير ملامح الخوف والألم، على إحالات المتخيل، «فكل ما صورته من مشاهد الحرب هو نتاج خيالي، وفي بعضها نتاج كوابيس، وبالتالي لو اعتمدتُ على الواقع لكنتُ أقربُ إلى الفوتوغرافي والوثائقي، لكنني فنان!».
في سياق تجربته؛ يبقـــى هذا الفنان، باحثاً عن مسارات إبداعية رصينة ومتجاوزة، ممسكاً بناصية التعبير التشكيلي القادر على تجسيد اللحظة بأمانة تاريخية وإنسانية، وكما يقول « عندما أرسم لا أفكر كثيراً».
ولهذا يجد المشاهد نفسه يتنقل بين أجواء مختلفة للألم والحُلم في لوحاته؛ وهذا ليس غريباً عليه، وهو المتمكن من أدواته والمسيطر على عناصر عمله؛ والأكثر إبهاراً تقنياً في تكنيك (عين الطائر) على صعيد سبك المشاهد وتنغيم الأشكال والألوان.
يعتمد هذا التكنيك على منظور مشاهدة الأشياء من الأعلى إلى الأسفل، وهي تجربة استغرقت من الفنان سنتين حتى أتقن هذا النمط، الذي يتطلب دمجاً فنياً بين الخيال والواقع والمكان والزمان، ويأتي معه العمل شمولي المبنى والمعنى ممهوراً بحرفية الرسم والتكوين والتلوين، التي هي نتاج تجربة وخبرة طويلة، تألق فيها الفنان وعزز بواسطتها مكانته في المحترف العربي وفق قراءات نقدية عديدة.
ربما أراد حكيم باعتماده على هذا المنظور في تقديم أعماله الأخيرة، أن يعزز من مكانته شاهداً بعيداً عن مواقف طرفي الحرب، حرصا منه على أن «أشاهد كل شيء من دون أن يشاهدني أحد».
ورغم اشتغاله على السياسة، هذه المرة، انطلاقاً من قناعته أن «الفنان في الأخير موقف من اللحظة»؛ إلا أن الموقف لم يكن واضحاً سياسياً على سطح اللوحة بقدر وضوحه إنسانياً؛ ولعل هذا الالتزام المحايد هو من مقتضيات واقع جديدة تفرضه الحرب.
هذا الخطاب الجمالي الثقافي الذي تتدفق به هذه اللوحة، لا يكتمل إلا باللون الذي يأتي ملمحاً أكثر خصوصية من ملامح تجربته؛ فألوانه، بصرف النظر عن انسجامها أو تضادها الموضوعي مع الشكل، تفيض تعبيرية تتجلى معها رؤى وتأملات، وتشع بريقاً يمنح اللوحة شاعرية تقابل سردية الأشكال؛ فتتناغم تجريدية الشكل مع تعبيرية اللون؛ فتأسرك اللوحة، التي صار ينجزها، أحياناً، في ساعتين بعدما كانت تستغرقه، أحياناً، شهراً… «فتجربتي أصبحت مستقرة؛ وتتجدد مع كل لوحة، وربما أن إشراقية وبهجة ألواني تعكس شغفي بالحياة وتفاؤلي وحلمي بالسلام. ويبقى التلوين، في الأخير، تجربة وإحساسا».
في مجموعته الأخيرة «الحرب والسلام»؛ يكون حكيم العاقل قد دخل، بالفن التشكيلي اليمني المعاصر، إلى المناطق الأكثر مأساوية في الحياة، وهي الحرب، التي يصبح معها النص البصري متفاعلاً مع أشد اللحظات الإنسانية ألماً وحلماً، من منصة تأمل متموضعة بين الواقع والمتخيل وتستوعب الزمان والمكان.

12 مايو 2016

اليمني حميد عُقبي: السينما الشعرية ورطة و«نادرة»

   لا ينكر حميد عُقبي، أن اتجاهه نحو السينما الشعرية كان مغامرة، ويعترف بأن ما يعيشه معها، هو «ورطة وورطة جميلة فعلاً، إذ هي خلقت في داخلي ذلك الطفل المجنون الذي يحلم، يهذي، يكتب..."
******************** http://www.alquds.co.uk/?p=532473
اليمني حميد عُقبي: السينما الشعرية ورطة و«نادرة»
 
صنعاء ـ أحمد الأغبري: (صحيفة القدس العربي)
    لا زال المخرج والشاعر اليمني حميد عقبي، على الرغم من المعوقات والصعوبات التي واجهت تجربته؛ مؤمناً بـ»سينمائية القصيدة وشعرية السينما». يعمل في السينما الشعرية ويقيم في فرنسا، وتحول هذا العمل الى طريقة للتفكير، وربما أسلوب يمارس فيه نشاطه عند الكتابة الأدبية. 

أكمل عقبي دراسته العليا في السينما الشعرية في جامعة كون الفرنسية، ومازال يشتغل باحثا في التخصص ذاته، وأخرج عدداً من الأفلام القصيرة، ونشر وينشر العديد من الدراسات والمقالات النقدية، وأصدر هذا العام 11 كتابا إلكترونيا أهمها «كارمن (قصص سينمائية)»، «الرصيف السينمائي»، «السينما والواقع» وأربع م
سرحيات (الرصيف ــ مونودراما فانتازيا كائنات أخرى ــ أطفال الشمس -ولا شيء يحدث هنا).
يعمل حميد مدرساً في عدد من مراكز التدريب المسرحي والسينمائي في مقاطعة «النورماندي» الفرنسية، وفيها أنشأ، مؤخراً، مؤسسته الخاصة للإنتاج المسرحي والسينمائي، مؤكداً في مقابلة مع «القدس العربي» ان لديه أكــــثر من سيناريو فيلم طويل ينتظر إنتاجه وإخراجه من خــلال هذه المؤسسة، منها سيناريو فيلم «بلال وحورية»، الذي تعثر إخراجه بسبب غياب الممول، متمنياً تجاوزها قريباً، علماً بأن «مشكلة التمويل هي مشكلة عامة في فرنسا».
بعد هذه السنوات (الصعبة)، لا ينكر حميد عُقبي، أن اتجاهه نحو السينما الشعرية كان مغامرة، ويعترف بأن ما يعيشه معها، هو «ورطة وورطة جميلة فعلاً، إذ هي خلقت في داخلي ذلك الطفل المجنون الذي يحلم، يهذي، يكتب، يسعى أن يصوَّر بعض جنونه سينمائياً لو انفرجت المشاكل المادية». ويضيف: «لم أكن محظوظاً بفرصة إنتاج فيلم طويل، ومازال هناك وقت، لذا لستُ محبطاً، ولا أشعر بالصدمة أو الخسارة، المهم أن يكبر خيال الطفل المجنون في داخلي. الخسارة والصدمة ستكون لو تعافى خيالي الطفولي المجنون، عندها فقط ينتهي الفنان. إن اتجاهي نحو «السينما الشعرية « قد كشف لي مدى هشاشة تكويني الفني والفكري؛ فحفزني ذلك لتنمية قدراتي ومهاراتي حتى أصبحت علاقتي بالسينما الشعرية تتجاوز الفيلم إلى الحياة، بل يظهر تأثيرها في كل انشطتي وكتاباتي».
في كتاباته المختلفة يتناول عُقبي الكثير من القضايا المثيرة للجدل، بل أنه تعرض بسبب بعضها لردود فعل ومشاكل في اليمن، إحداها انتقلت على أثرها أسرته من اليمن لتقيم معه في فرنسا نتيجة تعرضها لتهديدات.. وهنا يدافع حميد عما يعتقد أنها حرية المخرج والفنان «إذ لا يمكن أن يكون هناك فنان خائف، محاصر وخاضع لأي تأثيرات دينية أو سياسية».
درس حميد عقبي الإخراج التلفزيوني والإذاعي في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد، وفي سنة التخرج قادته الصدفة إلى عالم السينما الشعرية. يقول عُقبي: «يمتلك المخرج الشاعر، في فضاء السينما الشعرية، كامل الحرية في التعبير عن أحلامه وهواجسه وقلقه من خلال الكاميرا والصورة مثله، في ذلك، مثل الشاعر وهو يكتب قصيدته معبراً من خلالها عن هواجسه وأحلامه. السينما الشعرية هي التعمق في دواخل النفس البشرية، لتظهر شرها وخيرها، شكوكها، أحلامها وكوابيسها، رؤيتها إلى اللامرئي»، ويوضح انه «ربما يمكن القول إنه لا توجد نظريات تحكم هــــذا الاتجاه؛ هناك أفكار كثيرة وأعمال لبازوليني وكوكتو وبونويل وتاركوفسكي وبيرجمان وغيرهم…المسألة باختصار هي إبحار في بحر متلاطم من الخيال والجدل الحر والإيغال بالحلم، انطلاقاً من الواقع الاجتماعي».
لكن تبقى الملاحظة في قلة حضور هذه الأفلام في المهرجانات وندرة، إن لم يكن غياب، إنتاجها عربياً، اذ يشير عُقبي إلى «أن الحــرية والتمرد في هذه النوعية من الأفلام قد جعلت من الفيلم الشعري ملاحقاً وممنوعاً، وتسببت في حدوث صدامات بين المخرج كفنان وشاعر والسلطات الدينية والسياسية وغيرها. وأنا بهذا لا أقول إن الفيلم الشعري أشبه ببيان سياسي أو موعظة اجتماعية، بل هو أخطر من ذلك؛ فهو صرخة من العمق الإنساني لا يحكمه شكل أو فكر أو قالب معين».
وعند الحديث عن الأفلام الشعرية لابد من التمييز بين شعرية الفيلم السينمائي والمعالجة السينمائية للقصيدة الشعرية، وهنا نعود بالمخرج حميد عُقبي إلى بدايات تجربته، وهي المرحلة التي أخرج فيها عدداً من الأفلام القصيرة في سينمائية القصيدة الشعرية، وهنا يؤكد على الفرق بين مفهوم سينمائية القصيدة الشعرية التي تعني المعالجة السينمائية للقصيدة، بينما السينما الشعرية تعني اشتغالا سينمائيا بنفس شعري على الصورة السينمائية ترجمة لهواجس المخرج الشاعر.
وكان فيلم «الكتابة بدم المقالح» أول افلامه القصيرة في سينمائية القصيدة الشعرية، ومثَّل فيلم «الرتاج المبهور» آخر أفلامه في هذا السياق… يقول: في تلك الأفلام اتبعت أسلوباً سهلاً وغير معقد ولكنه ذاتي ولا يعتمد التقليد؛ فكل قصيدة اشتغلتُ عليها قمتُ بمعالجتها قصصياً، انطلاقاً من فهمي الخاص للقصيدة ومزجها بتجربتي وأحاسيسي، أي أنني عملت على إحداث نوع من التزاوج بين الشعر والسينما».

1 أبريل 2016

منهجيه خاصة في التعامل مع قيم الفن التشكيلي..عبدالجبار نُعمان:أســـمع إيـــقاع لــوحـتي في روحـي!

 [27/أبريل/2007] صنعاء "سبأ" – أحمد الأغبري :

     فنان له مع اللون فلسفة فريدة ، انطلق ، من خلالها، في نسج منهجيته الخاصة في التعامل مع عناصر اللوحة و أدوات و قيم التشكيل ، متفرداً برؤية و نص و أسلوب لم يتوقف - من خلاله - عن تطوير التجربة ، ممتلكاً جرأة في مخاطبة اللون وحرية لافتة في بناء وتركيب اللوحة ، و قبل هذا و ذاك يبقى " عبد الجبار نُعمان" صاحب تجربة مثلت و تمثل علامة فارقة في مسار تطور التشكيل اليمني الحديث.

                     لوحة ادهشت العالم
لوحة " عبد الجبار نعمان " لا ينفد جمالها .. لوحة لا تتم قراءتها في مشاهدة واحدة ؛ فهي في كل مشاهدة تبث إليك قيم و حقائق جديدة و لعل جدارياته التي تتزين بها قاعات و أروقة أهم مؤسسات الدولة في اليمن تقدم دلالة واضحة على خصوصية هذه التجربة، والدور الذي أسهمت من خلاله في تعزيز علاقة الشعب اليمني بالفن التشكيلي ، لدرجة كانت و ما تزال نتاجاته هي الأكثر اقتناء من قبل المؤسسات الحكومية وغير الحكومية .. هذا الإعجاب بأعمال هذا الفنان ، الذي يعد من رواد الفن التشكيلي باليمن ، لم يقتصر على المؤسسات اليمنية ، بل امتد إلى المنظمات الدولية العاملة في اليمن ، بما فيها مكاتب الأمم المتحدة.
ما كان ليتحقق هذا الإعجاب العالمي، لو لم تكن هذه الأعمال هي في مستوى الأعمال العالمية.. هكذا يؤكد الفنان "عبد الجبار نعمان":" ما حققته تجربتي أقرأه في اهتمام محلي، من خلال إعجاب التشكيليين اليمنيين بأعمالي ، كما أقرأه في اهتمام عالمي ، من خلال حرص كثيرين ممن يزور اليمن من الأجانب على زيارتي و شراء لوحاتي ، التي تدهشهم بما يجعلهم يحملوها معهم إلى بلدانهم ، فضلاً عن أن هذا الإعجاب تجاوز الأفراد إلى المؤسسات و المنظمات الدولية العاملة في اليمن ، حتى إن منظمة (اليونيسيف) اختارت إحدى لوحاتي ، ووضعتها في احد طوابعها البريدية ، لمراسلات الأمم المتحدة لمدة عام.. وهي شهادة اعتز بها ولا أتباهى من خلالها! " .
"عبد الجبار نعمان" من مواليد 1949م .. درس الفنون وتخرج في "كلية ليوناردو" في القاهرة عام 1973م ،ومنذ سبعينيات القرن الفائت نظم العديد من المعارض في اليمن وكل من: روسيا ، بلغاريا ، ألمانيا ، بريطانيا و معظم الدول العربية.

                                                     الوعي بالخصوصية
مرت تجربة "عبد الجبار نعمان" بمراحل تطور ، حتى تبلورت فلسفته اللونية ، ومنهجيته في التعامل مع أدواته .. يقول: " من الطبيعي أن تمر تجربة أي فنان بمراحل نمو ، حتى تصل إلى النضوج و الوعي بخصوصيتها و تقديم رؤيتها وفق أسلوب فريد يسهم في صياغة الجمال وفق قناة تخص الفنان ، و لا تتناقض مع قيم الفن " .
في كل مرحلة تجرعت تجربة الفنان ، كثير من المرارات ، لكن صاحبها لم ينكسر، فقد ظل حريصاً على تعزيز حضورها، و تطوير أدواتها ، لدرجة أن تفصيلات كل مرحلة ، تكفي لتقديم هذا الفنان كفنان رائد .. : " مثل أي فنان يمني بدأت واقعياً ، لكني سرعان ما تجاوزتها إلى الواقعية الرومانسية ، وصولاً إلى التعبيرية ، و لعل التعبيرية التي عشتها في عقد التسعينيات من القرن الفائت ، قد مثلت منعطفاً هاماً في تجربتي ؛ انطلقت منها من المدرسة الكلاسيكية في الفن إلى رحاب المدرسة الحديثة ، و في فضاءات الفن الحديث تحررت من قيم الفن التقليدية ، ممتلكاً حرية في التعامل مع الأدوات ، و جرأة في توظيف اللون ، بما عزز خصوصية اللوحة ".

                                                     هندسة المنظر
في كل مراحل تجربته بدءاً من أعماله الواقعية ، التي ارتبطت بالبيئة المحلية ، و عبرت عن الهوية ، من خلال المعمار و الزخارف غالباً، وصولاً إلى أعماله الواقعية الرومانسية متمثلة كثيراً في الوجوه النسائية ، مبرزاً من خلالها جماليات الزي و التراث الشعبي ، و حتى أعماله التعبيرية ، و انتهاء بأعماله الجديدة ، التي قدمها في معرضه الاخير ببيت الثقافة العام الفائت بعد عشر سنوات من الغياب ، و التي تنتمي إلى الفن الحديث ..
اعتمد الفنان "عبد الجبار نعمان" على منهجية أدائية خاصة ، سار في تطويرها ، إلى أن امتلك بها الحرية في التعامل مع أدواته وصولاً إلى الشكل الذي يتحدث بلغة اللون في التعبير عن المتن؛ فتجلى متميزاً في بناء (المنظر المركب): وهو منظر يستفيد الفنان في سياق بنائه ، من مكونات و طاقات وقيم عدد من المناظر تتداخل بمحمولاتها الهندسية ، في تقديم الواقع بمعمارية جديدة .. بقراءة جديدة .. بصياغة جديدة تستفيد من كل الأدوات و الخامات، و بحرية تعتمد على طاقات كل الألوان بجرأة تفضي إلى لوحة جديدة ..يقول:" أعتمد في بناء لوحتي على كل عناصرها ، مستخدماً كل أدواتها و قيمها، وفق رؤية جمالية لا تغفل عن أهمية الطابع التزييني و الزخرفي والجمالي في مفردات البيئة ، كما لا تتجاهل الأبعاد الهندسية و محمولاتها من الاستعارات الفنية .. وفي كل ذلك يبقى اللون هو الأرضية التي اعمل عليها،في سبيل الخروج بمعادلة جمال اللوحة إلى النتيجة أو الرؤية التي ابتغيها.." .

                                                        فلسفة اللون
لهذا الفنان في استخدام اللون أسلوب فريد مكنه من الوصول بلوحته إلى هذا المستوى : " أعتمد التجريب المستمر ولا أتوقف عن الابتكار.. أنا عندما ارسم تجدني أعيد توزيع الألوان في بعض اللوحات من عشر إلى عشرين مره ، حتى اقتنع بأنها صارت تعبر عما أريد .. و كذلك الحال مع بقية المكونات كالمعمار أو الشخوص أو حتى الزخارف فعندما يتم تجسيدها منفردة تعطي منظراً تقليدياً ، لكن عندما يتم تركيبها و مزجها مع بعضها ، وفق معالجة بصرية هندسية جمالية خاصة، فان اللوحة ستفضي إلى قراءة جمالية جديدة بصيغ جمالية جديدة لها أبعاد فنية متعددة .. اخلص إلى القول : باني قد لا بذل جهدا في رسم اللوحة أحياناً ؛ فقد يكون المنظر بسيطاً من حيث الشكل أحياناً ، حيث قد اعتمد على المعمار فقط أو على وجه إنساني فقط ، لكني في استخدام وتوظيف الألوان ابذل جهداً مختلفاً ؛ .. فكل لون أضعه طبقات متعددة حتى يعطي التأثير المطلوب!. "
و يؤكد :" نعم لدي فلسفتي اللونية الخاصة ؛ فانا استخدم ألوان كثيرة متنوعة، و أضع من كل لون طبقات كثيرة ، حتى يعطيني السطح الذي يحمل الفكرة و الدلالة و النغمة التي أريد .. لابد أن تأتي اللوحة بعد مزج ألوانها وأنغامها سيمفونية يرقص على إيقاعها المنظر.. فاللوحة لدي سيمفونية ، و اللون أهم إيقاعاتها ؛ و لهذا تجدني اجتهد في استنطاق طاقات اللون التعبيرية .. بمعنى أني لا أتوقف عن التجريب ووضع اللون طبقة فوق أخرى، حتى أشعر أن كل لون أعطى نغمته الخاصة ، وانتظم إيقاع النغمة في سياق سيمفونية اللوحة " .

                                                      جرأة اللون
     جرأة اللون التي تبرز في الأعمال الجديدة للفنان " عبد الجبار نعمان" هي نصف الخصوصية الجديدة في تجربته ، فيما يتجلى النصف الثاني في جرأة الشكل متمثلة في حرية لا حدود لها في استخدام الخامات و توظيف الأدوات في سياق تشكيل المنظر: " لقد استفدت كثيراً من إمكانات الحرية المتاحة في مدرسة الفن الحديث ؛ فاهتم بكل التفصيلات واستنطق كافة الطاقات الكامنة في كل الإمكانات والخامات في تعاملي مع كل مكونات المنظر، بما يعطيني في النهاية لوحة اسمع إيقاعها في روحي قبل رؤية بريق سطوحها.. بمعنى ان مدرسة الفن الحديث ، التي تشكل المرحلة الراهنة في تجربتي، قد فتحت أمامي آفاق رحبة من الإبداع تحت فضاء الحرية والتنوع ؛ فجاءت اللوحة أكثر جرأة وأكثر خصوصية و أكثر ثراء على صعيد القراءة الجمالية ؛ فتأتي لوحة جديدة عند مشاهدتها في كل مره" .
       ويضيف الفنان :"ما انشده و أنا ارسم هو أن أقدم عملاً لا يبعث السأم في نفسية المشاهد بمجرد المشاهدة الأولى .. ومن وجهة نظري أن تقديم أكثر من منظر في منظر واحد من خلال إعادة تركيبها بالتداخل و إعادة توظيف كثير من تفصيلاتها على سطوح لونية متعددة ، واستمرار التجريب و الابتكار في استخدام الخامات و كل الإمكانات المتاحة لدي .. كل ذلك قد فتح لي آفاقاً متجددة..كما يفتح للوحة قراءات متجددة " ..
و لا ينكر الفنان بأنه يفكر بالجمهور في أثناء الرسم:" و كيف لي أن أتجاهل ذوق الجمهور في أثناء رسم اللوحة ؟! .. لكن تفكيري به ليس لإرضائه ، و إنما لكي أخرج بلوحة تسهم في تهذيبه ، و الارتقاء بذائقته الجمالية ، من خلال تقديم عمل يجيد مخاطبة روحه ، وترسيخ قيم الجمال والإبداع في نفسيته ."

ينظر عبد الجبار نعمان إلى ما وصل إليه الفن التشكيلي في اليمن بتفاؤل : "صار التشكيل اليوم في اليمن في مستوى رائع ؛ فصار لدينا عدد كبير من المبدعين لديهم من الإمكانات في بيوت الفن التي انشاماتها وزارة الثقافة وهو واقع يبشر بان المستقبل سيكون أفضل بكثير .. مهما كانت المعوقات " .

14 مارس 2016

الكتابة لديها ...احتفاء وابتهاج بالألم

هُدى أبلان: المبدع لا يزال مؤثراً في القرار السياسي

  أحمد الأغبري - مجلة دبي الثقافية 

    هُدى أبلان شاعرة حقيقية لها قصيدة جديدة تنشد فيها الحُلم على إيقاع الألم والأمل الانسانيين، وتستنطقه في نص حداثي الشكل والموضوع واللغة برزت من خلاله أبلان من أهم أصوات القصيدة اليمنية وضمن أهم العناوين النسوية في الشعرية العربية الحديثة.
   
   تأتي قصيدة النثر لهذه الشاعرة اليمنية الرائدة متدفقة جديداً وجمالاً وادهاشاً في الشكل والمحتوي، متميزةً باشتغال شعري مكثف وأسلوبي أكثر تمرداً، متجاوزة داخلها الإنساني إلى أفق أوسع وبتقنيات شعرية تطورت كثيراً وقاموس لغوي يتجدد كثيراً ورؤية تبتهج بالأمل في مواجهة مرارات الألم.
   
    بدأت كتابة الشعر في ثمانينات القرن الماضي، وظهرت "ورود شقية الملامح" في العام 1989م، وبعد ثماني سنوات وتحديداً في العام 1997م تجدد حضورها في "نصف انحناءة " لتأتي في العام 1998م في "محاولة لتذكر ما حدث "، وهو الديوان الفائز بجائزة ابداعات المرأة في الأدب في الشارقة في نفس العام، وفي العام 2000م تجلت في "اشتماسات"، وفي العام 2010م صدر ديوانها الخامس "اشتغالات الفائض".
     على الرغم من عملها السياسي والنقابي والإداري والمواقع والمناصب التي شغلتها وتشغلها كنائب وزير الثقافة وأمين عام اتحاد أدباء اليمن حالياً ...إلا أنها تعتز فقط بصفتها شاعرة.
عن تجربتها مع الشعر وعلاقتها بالقصيدة كان هذا الحوار:
                                   
  بدأت علاقة هُدى بالشعر منذ طفولتها، ومن نقاء وصفاء وجمال تلك المرحلة ماتزال تُغذي وهجها الإنساني الابداعي...تتحدث مبتهجة: "الطفولة هي كل تجربة هدى أبلان، لأن الشاعر الحقيقي كائن غير قابل للنمو، يظل مختبئاً داخل تفاصيل تكل المرحلة. وهي مرحلة شعرية أولى ومتقدمة وحقيقية؛ لأنها مرحلة الأحلام والخيال والصفاء ...طفولتي ماء ابداعي".  

  وعلى الرغم من بهاء الحضور الجمالي للحُلم في قصيدتها إلا أن الألم يكاد يختزل ويؤطر علاقتها بالشعر..تقول:"لا أقترب من محراب الكلمة إلا وأنا مكللةً بالرغبة والحُلم معاً ...لابد لي من استدعاء رميم الألم المتناثر وتجميع الوجع والبدء في تدوين ما تيسر من البوح، الكتابة لدى حالة تجل حقيقي تأتي بصعوبة ولا تغازلني إلا بعد أن أوقّع جرحي على دفتر الحياة.
      احتفاء الشاعرة بالألم حال الكتابة لا ينطفئ حتى وهي في لحظات ابتهاج...تستطرد: "الألم هو وقود الكتابة، حتى وأنا في قمة سعادتي، أحرص على أن انتشى برذاذ الألم، لأن الكائن الكامن داخلي هو جمعي إلى حد ما، لا يمكن له أن ينفرد باستراق رنين ضحكة لا يدوي لها الآخرون.
    لكنه في الأخير ألم لا لون ولا طعم له...تؤكد: "اعترف أن ألمي لا لون له، لكن يكفيني أن يأخذ لون الحبر المسفوك على الورقة. اعترف أن ألمي لا طعم له، لكن يكفيني أن يأخذ كل مرارات المحيط، وأعترف أن ألمي هو الوردة التي لا تذبل إلا بعد نشر رسالتها وعبيرها لذلك اعتبر نفسي لم أحقق في الشعر كثيراً، لأن تجربتي تحاول صوغ طعم لون ورائحة الحياة التي مازلتُ أحاول فك رموزها.
   وفي حديث الأرباح والخسائر في علاقتها بالشعر بعد أكثر من ثلاثة عقود... لا تتوانى عن نصب شوكة الميزان...:"الشعر أعطاني كثيراً من الخوف والقلق من احتمال انطفاء جذوته داخلي، كما وهبني إحساساً جميلاً بارتفاع ذاتي من إطار الآدمية كهيكل إلى أُفق معايشتها كامتياز آلهي يُعنى بتهذيبها وسموها الروحاني الكبير.
    أما عن طقوس هذه الشاعرة مع الكتابة فتبدأ من انبثاق الفكرة الشعرية...: "قد تكون في أية لحظة، وأنا أمشي في الشارع أو أنظر من نافذة، لكن هذه اللحظة لا تكون اعتيادية، إنها لحظة تجل تكتمل لاحقا.
   وعلى الرغم من كل هذا هي مُقّلة في الكتابة...وذلك: "لأن هاجسي في الخصوصية والابتكار هو المهيمن".

     تنقلت تجربة هُدى أبلان الشعرية بين الأشكال واستقرت عند قصيدة النثر؛ لأنها وجدت فيها مساحة مفتوحة تُجيد فيها ما وصفته (لعبة القفز) ...تقول: "أنا واحدة من شعراء قصيدة النثر، وهي نص مفتوح على الحياة بكل اشكالياتها وضجيجها ومفارقاتها، تجعلك تُجيد لُعبة القفز وصولاً إلى الغلاف الجوي للوجود.
    لكن تَميزُ هُدى الشاعرة يتجاوز كتابة هذا الشكل من الشعر إلى قراءتها المنبرية لهذا النص الصعب والنخبوي...والسبب: "لكوني تماهيتُ مع هذا النص حتى أصبح كلانا حياة قائمة في ذات الآخر. لذلك أقرأ مسوداتي أمام الصغار والكبار المعنيين وغير المعنيين، أشعرُ أن نصوصي تشبه الجميع، وأرى كلماتي تضئ في عيون العالم من حولي".

      تمتازُ تجربة أبلان باشتغال مختلف على التجريب والتجديد الشعري والذي يأتي انطلاقاً من رؤية استوعبت متطلبات الاشتغال على الشكل والمحتوى في آن...:"التجريب لابد أن يكون انطلاقاً نحو ابداع حقيقي ومتين، ويظل الشكل يشغل المهمومين، ناهيك عن أن تغذية هذا التجريب الشكلي يحتاج تحركاً في إطار من الرصد والقراءة والمتابعة عبر وسائط إعلامية مختلفة ومتاحة، بينما التجديد في المحتوى يحتاج تجربة حية، جغرافيا مفتوحة وعوالم قادمة إلينا وذاهبون نحوها بكل آليات الاكتشاف".

      وبقدر إيمان هذه الشاعرة بأهمية التجريب وضرورة التجديد؛ هي في المقابل موقنة تماماً بالتراث واهمية الاستفادة منه وتمثله وخلق توازن غير صدامي معه ...تُفسر: "الموروث غيمة دائمة الامتلاء وما نتخطاه زمناً لا يمكن أن ندوس عليه بأقدامنا... لذلك يحتاج الموروث إلى إعادة انتاج وعينا به كذاكرة وكمضمون وكمعطى ومنجز لبشر هم مثلنا، لنا أن نتمثلهم دون فرض تاريخي لشكل إبداعهم علينا بطريقة هندسية قاسية تقتل إمكانية الابتكار والتجديد مع زمن الركض والتقنية، فالأمر ليس صعباً في إيجاد التوازن غير الصدامي مع الموروث، المهم ألا يكون خروجاً عليه لمجرد الخروج، يجب أن نقدم البديل الممتلئ به وفق هندسة اصابعنا الجديدة".

    على الرغم مما تُحدثه التقنية وثقافة الصورة في حياة الناس، تعتقد هُدى أن التقنية لن تحل محل الورقة والقلم وأن الشعر لم ولن يتراجع...تقول:" رغم المظاهر الموحية بأن الشعر قد انزوى وهُمّش وأنه متداول نخبوي، إلا أنه مازال محتفظاً بقدرته على تسيّد المشهد، لأن ثقافة الصورة هي ثقافة الراكضين واللاهثين وراء اللاجدوى.لا يمكن أن تعيش الأمم مفرغةً من عمقها الفكري لمجرد أن التقنية أرادت وحددت هذا. أجزم أن المبدعين لن تنكسر أقلامهم سعياً وراء السراب المؤقت وإنما في ظل الصخب المتصاعد سيحتفظون بقدرتهم على العودة لأخذ مكانتهم الحقيقية في مساحة التأثير.
وتضيف مؤكدة:" لا أتصوَّر أن تحلّ التقنية محل الورقة والكتاب، أقبلها في كلّ المجالات إلا في الشعر، ومن الممكن أن نستفيد من التنقية في تقريب المسافات وتسويق النص، لكن الكتاب يظل محتفظاً بدفئه كمساحة من الإحساس الجميل نمارس معه مغامرة التداول والانبهار".


     وبخصوص أسباب اختيار الشاعرة للسياسة تخصصاً دراسي ومجال عمل؟ تُجيب: "أنا درستُ العلوم السياسية بروح المؤمن بأنها شر لابد منه كي أتعلم منها كيفية إدارة النفسيات والبرامج، وكيف لنا أن نظل في حالة توازن مع معطيات الواقع من بشر ومضامين، كيف نتدرج في قتل الظلام وإزالة الحلكة وصناعة أفضل. عندما نترك هذا الميدان للأقل إحساساً من الناس ونهرب...نعيش حينها السلبية بكل إفرازاتها. أنا مؤمنة بالسعي نحو فاعلية وتأثير المبدع على القرار السياسي، والتأريخ هو الأقدر على فرز صُناعه وتقديمهم دون أوراق التوت". 



2 مارس 2016

علي المقري:الكتابة مغامرة لا تتوقف لدى المبدع


أحمد الأغبري- مجلة دبي الثقافية

بعد أكثر من عشرين سنة شاعراً وباحثاً وصحفياً، أطل علينا برواية «طعم أسود.. رائحة سوداء»( 2008)، ليظهر علي المقري (1966) كاتباً جديداً له مع السرد حكاية غير مسبوقة ومع الوطن وقيم التنوع والتعايش رؤية متجاوزة أكدت اختلافها في «اليهودي الحالي»(2009)، لتكشف «حُرمة» (2012) عن استعداد الكاتب الذهاب بحريته وجرأته في مواجهة المسكوت عنه إلى أبعد مدى عبر بناء سردي لم يتوقف تطوره ومفاجأته، وتمثل روايته الرابعة «بُخور عدني» (2014) مستوى متقدماً مضموناً وتقنية، ليس على مستوى تجربته فحسب بل على مستوى تجربة الجيل الجديد من كتاب الرواية اليمنية.

لهذا لم يكن مستغرباً سرعة تجاوزه أسوار محليته في سنوات وروايات قليلة ليحقق حضوراً إقليمياً وعالمياً، وتترجم بعض رواياته إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والكردية وغيرها من اللغات، وتصبح تجربته محط احتفاء وتكريم، آخرها تكريمه في باريس منتصف أكتوبر/تشرين الأول، بإحدى جائزتي الرواية العربية (جائزة التنويه) التي يمنحها معهد العالم العربي ومؤسسة جان لوك لاغاردير، وذلك عن روايته المترجمة للفرنسية «حُرمة»، والتي أثارت جدلاً في موضوعها عن الكبت الجنسي للمرأة في مجتمع ذكوري.
على الرغم من أهمية الجائزة بالنسبة للكاتب، إلا «أن الكاتب الذي تشغل هواجسه كتابة الرواية في كل وقت فإن أجمل جائزة له هي إنجازه للرواية نفسها»، يتحدث علي المقري لمجلة دبي الثقافية، مؤكداً في الوقت ذاته أهمية فوز الكاتب بجائزة خصوصاً «في مجتمعاتنا العربية، حيث التقدير للكاتب ما زال غائباً، ومعظم منجزه مازال محاصراً بالمنع والمصادرة؛ وبالتالي فإن جائزة كهذه تكون مهمة لجهة التقدير والاعتراف بمنجزه، لنقل أيضاً كتشجيع ودعم مالي ليواصل الكتابة».

___ê_د_è_د_ز _د___à_é___è _ê_ذ____ _____«_optر

رواية علي المقري مفتوحة على قراءات متعددة، وعلى الرغم من أنها تنطلق من بيئة محلية، إلا أنها تخاطب في القارئ أزماته الإنسانية، ففي رواياته الأربع اشتغل الكاتب على معاناة الآخر من التهميش وأهمية التنوع وإمكانية التعايش تحت سماء الوطن (الحُلم) منطلقاً من اليمن، فتناول معاناة المهمشين السود في مجتمع إقصائي في رواية «طعم أسود.. رائحة سوداء»، والعلاقة الشائكة بين المسلمين واليهود في مجتمع مُسلم في رواية «اليهودي الحالي»، ومعاناة المرأة في مجتمع منغلق في رواية «حُرمة»، لتأتي رواية «بُخور عدني» متجاوزة رحلة البحث عن وطن إلى إعادة تفكيك مفهوم الوطن والحديث عنه من جديد، من خلال تناول التنوع والتعدد والتعايش بين القوميات والأجناس، الذي عاشته عدن منذ أربعينيات إلى سبعينيات القرن الماضي، مشتغلاً على أزمة الهوية في محاولة للتعبير عن معاناة الإنسان مع المكان، وهو في هذا لم يقدم إجابات بقدر ما أثار أسئلة، لتبقى الرواية مفتوحة على إجابات لانهائية.
في هذه الرواية يبدو الوطن بالنسبة للمقري «كمحنة لها جوانب كثيرة، سواء كانت تاريخية أم أيديولوجية مفاهيمية. ومن منطلق هذه الزاوية السردية لا أراني قد قلت شيئاً أو حاولت أن أقول في رواية «بخور عدني»، فالرواية تختبر أسئلة الوطن والبديل عن الوطن، كمحنة إنسانية، دون أن تقدم إجابة أو قولاً فصلاً لهذه الأسئلة. أظن أن الروائي الذي يقدّم أجوبة أو أفكاراً جاهزة يكون قد ابتعد عن الفن الروائي».

   من أهم ما يميز مضمون رواياته تناول المقري المسكوت عنه بجرأة وحرية لا تسالم التقاليد ولا تعترف بالقيود، وهو ما عبرت عنه بقوة رواية «حُرمة» ويدافع المقري عن حريته باعتبار الكتابة والحرية تسيران معاً وعلى الكاتب أن يمضي مع الكتابة الحرة إلى أقصى حد «فالكتابة مغامرة كالحياة، ويبدو لي أن على الكاتب أن يمضي فيها إلى أقصى حد. وأي كاتب لا يكتب ضمن فضاء حر وبدون قيود، فإن كتابته ستبدو ركيكة ولا تتجاوز السرديات المكبّلة بقوانين المنع والتقليد».

وبخصوص معوقات القراءة التي قد تظلم النص بأحكامها الأخلاقية المنطلقة من قناعات مسبقة وبعيدة عن الفضاء الفني.. يؤكد الكاتب التمسك بالحرية مهما كانت معوقات القراءة «لا أظن أن على الكاتب أن يعمل حساب معوقات القراءة وغير ذلك. وهو بالتالي ليس عليه سوى أن يكتب بكل طاقته المتوفرة والمرجوة منه». ويذهب في دفاعه عن الحرية إلى رفض اعتقاد بعض النقاد بأن الكاتب، مع كل تلك الحرية والجرأة، قد يفقد توازنه السردي بين الواقع والخيال وقد ينحاز أحياناً للواقع.. موضحاً أن «الكاتب يفقد توازنه السردي مع القيود المكبّلة لحرّيته، فقط».

على صعيد التقنية لروايات المقري، تبدو خصوصيتها في البناء والمعمار، فتأتي مفعمة بروح فنية عالية تمنح النص حياة يصبح معها القارئ جزءاً منها ومشغولًا بمسارات التطور مشتعلاً بوهج السرد ومتعته.. وفي سياق حديثه عن السحرية والوجود الفني، يشير الكاتب إلى أنه «لم يعد، كما أظن، من الممكن الحديث عن سحرية الرواية بمفهومه التقليدي. ويبدو أن الرواية تحقق وجودها الفني عبر طرق مختلفة، وتتعدد بتعدد الحساسيات الأدبية عند الكتّاب».
يتكئ المقري في سرديته على لغة لا تنفك عن الهاجس الشعري بمفهومه السردي، وتشي عن رؤية متقدمة للكاتب في البناء اللغوي إذ تجيد الاشتغال على الدارج اليومي والفصيح بمزاوجة تخدم الرؤية والفكرة والفن، انطلاقاً من وعي ومعرفة وحساسية عالية بإيقاعات السرد في سياق بنية النص كاملاً « أنا أهتم باللغة وإيقاعاتها السردية، سواء من خلال اختيار المفردة أو تركيب الفقرة والعبارة. ومن هذا المستوى يمكن معاينة بناء النص كاملاً في ضمائره وتحولاته الشكلية».
ما طرحه الكاتب يقودنا إلى تساؤل مهم عن مفهوم شعرية الرواية، والحاجة إلى التصوير الجمالي البلاغي في خدمة التعبير السردي.. هنا يرى المقري أن «البلاغة بمفهومها البنائي التقليدي لم تعد صالحة حتى للقصيدة الشعرية، فما بالك بالكتابة الروائية». موضحاً أن «الشعرية في الرواية لا تتحقق من خلال اللغة الساردة والتي يجدها البعض في الرومانتيكية، بل هي في مختلف جوانب البناء السردي».

ويدافع عن طريقته في التعامل مع شخصياته الروائية والتي تفاجئ القارئ، أحياناً، بتحولاتها وتنقلها على مسرح الأحداث بشكل قد تبدو غير مقنعة أحياناً، موضحاً أنه «لم يعد هناك من بناء تقليدي للسرد. ولهذا تتعدد الطرق السردية في كل رواياتي وليس هناك من وجهة مدرسية أو محددة سلفاً».
وفيما يرفض تصنيف رواياته بالتاريخية، يوضح الكاتب أنه يتعامل مع التاريخ في رواياته « كمحنة إنسانية يعيشها شخوص الرواية ويتشكلون منه وفيه» ليؤكد علي المقري إيمانه برواية تأبى التأطير، انطلاقاً من اعتقاده «أن مقولات الرواية الواقعية لم تعد قادرة على التعامل مع أسئلة الرواية القلقة، والتي تأبى التأطير والتحديد الأيديولوجي، سواء باسم الواقع أو التاريخ أو الالتزام بقضية ما».

8 فبراير 2016

برحيله قبل ثلاث سنوات... خسرت الأغنية اليمنية صوت الشعب





  
صنعاء - أحمد الأغبري ( مجلة دبي الثقافية - عدد ابريل 2013م)
  برحيل الفنان اليمني الكبير محمد مرشد ناجي (7شباط/فبراير2013)خسرت الأغنية اليمنية واحداً من أهم أصواتها ومؤرخيها؛إذ استطاع خلال أكثر من ستة عقود أن يكون أحد أساطين التجديد الغنائي،وممن أسهموا بدورٍ بارزٍ في إثراء الأغنية اليمنية وتطويرها وتقديم تراثها وفلكلورها بكل ألوانه وإيقاعاته وبمستوِ عبقري من الإبداع والجمال تجلى من خلاله مدرسة لها رؤيتها ومنهاجها وإضافاتها يمنياً وعربياً.
    تتعاظم فداحة خسارة هذا الفنان،كلما أمعنا في قراءته...فمن كل زاوية يبرز لنا نسيجاً لوحده:مطرباً رخيماً،وعازفاً ماهراً على العود،وملحناً مجدداً،وباحثاً ومؤرخاً موسيقياً،صاحب مؤلفات قيمة،وقبل ذاك تتباهى تجربته الأدائية واللحنية بأعمال كبيرة وكثيرة ارتقى من خلالها بحال الأغنية في بلده،وساهم بفاعلية في تعزيز حضورها في الساحة العربية.
   على الرغم من أنه لم يلتحق بمعهد للموسيقى ولم يكمل تعليمه النظامي استطاع أن يتجاوز قسوة ظروف واقعه ويطور موهبته ويرتقي برؤيته إلى أن تبلور مشروعه الفني الذي انطلق إليه من وعي وطني صاحبه منذ وقت مبكر من عمره من خلال احتكاكه بالعديد من القامات والشخصيات الوطنية؛فامتزجت قناعاته بقضايا الوطن والمواطن،فحمل السلاح في مواجهة المستعمر البريطاني بعدن،وبرز من أهم أصوات الأغنية الوطنية والسياسية قبل وبعد الاستقلال،مجسداً بذلك الدور الحقيقي للفن في حياة المجتمع...وانطلاقا من هذه القناعات التي ارتقت بها قراءاته المتواصلة لم يكن غريباً اشتغاله على تراث اليمن الموسيقي والغنائي وإلمامه بقضايا الموسيقى العربية وتدفق إسهاماته التجديدية الغنائية والموسيقية.    
     بعد صراع مرير مع المرض ودعته مدينة عدن/جنوب اليمن عن عمر ناهز الرابعة والثمانين سنة أمضى معظمها في محراب الفن في تجربة لا تتكرر لما توافر في صاحبها من خصوصية مكنته من تقديم أعماله بإجادة وإتقان انطلاقاً من مواصفات تمتع بها صوته،وعززتها ثقافة واسعة وقناعات راسخة ووجدانية عالية.
     منذ أول أغانيه عام 1951م لم يتعصب الفنان محمد مرشد ناجي  للون من ألوان الغناء اليمني؛فمنذ انطلاقته الأولى في إذاعة عدن وعلى مدى تجربته؛استطاع الفنان المرشدي (وهو الاسم الذي اشتهر به )أن يؤدي وبتميز كل ألوان الغناء اليمني،وأن يكتشف بعض هذه الألوان ويقدمها ويسهم في تطويرها،واستطاع بصوته المخملي العذب وأحاسيسه ومشاعره الصادقة وثقافته الواسعة أن يستلهم تراث بلده ويعيد تقديمه بروح جديدة من خلال رؤيته ومدرسته الخاصة التي عززتها براعته في التعاطي المختلف والمتميز مع الجمل الموسيقية،وهو ما يتجلى عظيماً في عدد كبير من أعماله منها: صادت فؤادي،اللقاء العظيم،زمان الصبا،يا من سلب نوم عيني، الفل والورد،أنا من ناظري،عظيم الشأن، صادت عيون المها، أخضر جهيش،بيني وبينك،دا كان زمان يا صاح،صلاة قلب،ضناني الشوق، يا للي أنكرت الحب،نظرة من مقلتيها، لا تخجلي، مازلت أهواك...وغيرها من الأعمال الغنائية واللحنية التي تؤكد عبقريته وإسهاماته في تطوير الأغنية اليمنية الحديثة والمعاصرة؛ولهذا عاشت أغانيه وبقيت وستظل محفورة في وجدان الشعب...ونتيجة لذلك كان خليقاً به لقب (فنان الشعب)وغيرها من الألقاب التي جاءت معبرة عن مكانة تجربته،التي أسس معها مدرسة فنية تخرج فيها العديد من الفنانين اليمنيين،ومثل من خلالها الأغنية اليمنية في المهرجانات العربية،كما تعاون غناءً ولحناً مع عدد من كبار الفنانين العرب.  
   لا يمكن الفصل بين تجربته الغنائية واللحنية فقد كان مجدداً في كليهما؛فعلى صعيد تجربته اللحنية والموسيقية يتجلى بديعاً في جوانب متعددة وبخاصة في تعامله اللحني مع القصيدة،والتي يمكن القول انه قدم من خلالها أسلوباً يمنياً في معالجة قالب القصيدة،ويرى الفنان والناقد جابر علي أحمد في كتاب (حاضر الغناء في اليمن)-أن الفنان المرشدي رائد من رواد التجديد الغنائي في اليمن،بل انه يبز غيره في بعض الجوانب..فاستفاد كثيراً من الضروب التقليدية والموازين الشعبية في اليمن وقدم أعمالاً تميزت بتنوعها الإيقاعي وقدرته على تطويل الجملة الموسيقية وجنوحه نحو تجاوز  الهياكل اللحنية  للغناء التقليدي والمزج بين العناصر التقليدية والعناصر المستحدثة وميل المرشدي فيها إلى تغليب عناصر التحديث..وهنا يتحدث النقاد كثيراً عن التجربة الموسيقية واللحنية للمرشدي وإضافاته في الغناء التجديدي الحديث.
     منذ بداية تجربته وهو مهموم بالارتقاء بثقافته وتطوير تجربته التي بقي فيها مشتغلاً على التراث الفني لبلده؛وهو الاهتمام الذي لم ينحصر في الغناء والتلحين بل واكبه بالبحث والدراسة؛فاصدر عدد من الكتب والمؤلفات القيمة التي تمثل إضافات نوعية للمكتبة اليمنية؛بدءاً من أول كتبه الصادر في العام 1959م،وهو كتاب"أغانينا الشعبية"والذي عده النقاد "أول وثيقة معاصرة عن الغناء في اليمن،وأول جهد حاول وضع ضوابط لحركة الغناء وخاصة ما يتعلق بالتجديد الغنائي الذي كانت تزخر به عدن حينها"،وكانت تلك الفترة تشهد بداية تألقه الفني كأحد الفنانين المجددين الذين ينطلقون من قاعدة تراثية سليمة،ومن فهم عميق للفن الذي يطمح إلى تجديده،وكما يقول شاعر اليمن الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح فقد كان تجديده كغنائه مقبولاً وموصولاً بالمقومات الأساسية التي تجعل من الغناء تعبيراً مباشراً عن أشجان البشر وأحلامهم وعن أرضهم ومجال الطبيعة في بلاده..وكان المرشدي في تلك الفترة الفنان الوحيد في عدن - والكلام مازال للمقالح- الذي يسعى إلى تطوير  ثقافته الفنية والأدبية والوحيد الذي تشغله اهتمامات الجمع بين الفن والثقافة.كان ذلك مما كتبه المقالح في تقديم كتاب المرشدي "الغناء اليمني القديم ومشاهيره"الصادر في العام1983م،وهو الكتاب الثاني تلاه كتاب"أغنيات وحكايات" وكتاب مذكراته"صفحات من الذكريات"...وعقب وفاته أعلنت جامعة عدن التزامها بطباعة أعماله الكاملة متضمنة جميع أعماله الفنية مع النوتة ..عرفاناً بمكانته وعظيم منجزه .
      هذه التجربة المضيئة للفنان الراحل مطرباً وعازفاً وملحناً ومؤرخاً موسيقياً تبلورت في خضم حياة مضنية...حيث ولد في العام 1929م لأسرة عدنية فقيرة،وتلقى تعليمه في الكتَّاب وختم القرآن الكريم في سن مبكرة،وبعد إتمامه المرحلة الابتدائية بالمدرسة الحكومية لم يتم له إكمال الدراسة في المدرسة المتوسطة واضطرته الظروف لترك المدرسة والعودة إلى الكتاتيب مرة أخرى.
     كانت بدايته الغنائية من البيت متأثراً بأبيه الذي كان يجيد الغناء       ..وعندما بدأ يمارس الغناء في المرحلة الابتدائية قوبل بالتشجيع حتى صار يغني في (حفلات الأعراس) ساعده على ذلك تعلم العزف على آلة العود،وخلال فترة قصيرة أصبح مشهوراً،واستطاع من خلال انضمامه للندوة الموسيقية العدنية والاحتكاك بالفنانين الكبار تطوير تجربته إلى أن جاءته الفرصة عندما سمعه يغني الشاعر الراحل محمد سعيد جرادة فتفاجأ بصوته وأقترح عليه التلحين وكتب له قصيدة بعنوان "وقفة" أخذها المرشدي وقام بصياغة لحن لها،وكانت باكورة أغانيه ومن أنجحها...
     على هامش هذا التجربة شغل المرشدي عدد من المواقع الوظيفية الحكومية قبل إعادة تحقيق الوحدة اليمنية منها عضوية مجلس الشعب طوال ثمانينات القرن العشرين و رئاسة اتحاد الفنانين اليمنيين وبعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990 أصبح مستشاراً لوزير الثقافة وانتخب عام 1997 عضواً بمجلس النواب .
     وتقديراً لعظمة هذه التجربة نال العديد من الأوسمة وتم تكريمه في عدد من المناسبات في اليمن كما تم تكريمه عربياً كأحد رواد الأغنية اليمنية والعربية،حيث كُرِّم في سلطنة عُمان والبحرين والمملكة العربية السعودية،والمعهد العربي في باريس وملتقى الرواد العرب في دمشق وغيرها..