صنعاء - أحمد
الأغبري ( مجلة دبي الثقافية - عدد ابريل 2013م)
برحيل الفنان
اليمني الكبير محمد مرشد ناجي (7شباط/فبراير2013)خسرت الأغنية
اليمنية واحداً من أهم أصواتها ومؤرخيها؛إذ استطاع خلال أكثر من ستة عقود أن يكون
أحد أساطين التجديد الغنائي،وممن أسهموا
بدورٍ بارزٍ في إثراء الأغنية اليمنية وتطويرها وتقديم تراثها وفلكلورها بكل
ألوانه وإيقاعاته وبمستوِ عبقري من الإبداع والجمال تجلى من خلاله مدرسة لها
رؤيتها ومنهاجها وإضافاتها يمنياً وعربياً.
تتعاظم فداحة
خسارة هذا الفنان،كلما أمعنا في قراءته...فمن كل زاوية يبرز لنا نسيجاً لوحده:مطرباً رخيماً،وعازفاً ماهراً على
العود،وملحناً مجدداً،وباحثاً ومؤرخاً موسيقياً،صاحب مؤلفات
قيمة،وقبل ذاك تتباهى تجربته الأدائية واللحنية بأعمال كبيرة وكثيرة ارتقى من
خلالها بحال الأغنية في بلده،وساهم بفاعلية في تعزيز حضورها في الساحة العربية.
على الرغم من أنه لم يلتحق بمعهد للموسيقى
ولم يكمل تعليمه النظامي استطاع أن يتجاوز قسوة ظروف واقعه ويطور موهبته ويرتقي
برؤيته إلى أن تبلور مشروعه الفني الذي انطلق إليه من وعي وطني صاحبه منذ وقت مبكر
من عمره من خلال احتكاكه بالعديد من القامات والشخصيات الوطنية؛فامتزجت قناعاته
بقضايا الوطن والمواطن،فحمل السلاح في مواجهة المستعمر البريطاني بعدن،وبرز من أهم
أصوات الأغنية الوطنية والسياسية قبل وبعد الاستقلال،مجسداً بذلك الدور الحقيقي للفن في حياة
المجتمع...وانطلاقا من هذه القناعات التي ارتقت بها
قراءاته المتواصلة لم يكن غريباً اشتغاله على تراث اليمن الموسيقي والغنائي وإلمامه
بقضايا الموسيقى العربية وتدفق إسهاماته التجديدية الغنائية والموسيقية.
بعد صراع مرير مع
المرض ودعته مدينة عدن/جنوب اليمن عن عمر
ناهز الرابعة والثمانين سنة أمضى معظمها في محراب الفن في تجربة لا تتكرر لما
توافر في صاحبها من خصوصية مكنته من تقديم أعماله بإجادة وإتقان انطلاقاً من
مواصفات تمتع بها صوته،وعززتها ثقافة واسعة وقناعات راسخة ووجدانية عالية.
منذ أول أغانيه عام 1951م لم يتعصب الفنان
محمد مرشد ناجي للون من ألوان الغناء
اليمني؛فمنذ انطلاقته الأولى في إذاعة عدن وعلى مدى
تجربته؛استطاع الفنان المرشدي (وهو الاسم الذي اشتهر به )أن يؤدي وبتميز كل ألوان
الغناء اليمني،وأن يكتشف بعض هذه الألوان ويقدمها ويسهم في تطويرها،واستطاع بصوته المخملي
العذب وأحاسيسه ومشاعره الصادقة وثقافته الواسعة أن يستلهم تراث بلده ويعيد تقديمه
بروح جديدة من خلال رؤيته ومدرسته الخاصة التي عززتها براعته في التعاطي المختلف
والمتميز مع الجمل الموسيقية،وهو ما يتجلى عظيماً في عدد كبير من أعماله منها: صادت فؤادي،اللقاء العظيم،زمان الصبا،يا من سلب نوم عيني، الفل والورد،أنا من ناظري،عظيم الشأن، صادت عيون المها، أخضر جهيش،بيني وبينك،دا كان زمان يا صاح،صلاة قلب،ضناني الشوق، يا للي أنكرت الحب،نظرة من مقلتيها، لا تخجلي، مازلت أهواك...وغيرها من
الأعمال الغنائية واللحنية التي تؤكد عبقريته
وإسهاماته في تطوير الأغنية اليمنية الحديثة والمعاصرة؛ولهذا عاشت أغانيه وبقيت
وستظل محفورة في وجدان الشعب...ونتيجة لذلك كان خليقاً به لقب (فنان الشعب)وغيرها
من الألقاب التي جاءت معبرة عن مكانة تجربته،التي أسس معها مدرسة فنية تخرج فيها العديد من الفنانين
اليمنيين،ومثل من خلالها الأغنية اليمنية في المهرجانات العربية،كما تعاون غناءً
ولحناً مع عدد من كبار الفنانين العرب.
لا يمكن الفصل بين تجربته الغنائية واللحنية
فقد كان مجدداً في كليهما؛فعلى صعيد تجربته اللحنية والموسيقية يتجلى بديعاً في
جوانب متعددة وبخاصة في تعامله اللحني مع القصيدة،والتي يمكن القول انه قدم من
خلالها أسلوباً يمنياً في معالجة قالب القصيدة،ويرى الفنان والناقد جابر علي أحمد
في كتاب (حاضر الغناء في اليمن)-أن الفنان المرشدي رائد من رواد التجديد الغنائي في
اليمن،بل انه يبز غيره في بعض الجوانب..فاستفاد كثيراً من الضروب التقليدية والموازين الشعبية
في اليمن وقدم أعمالاً تميزت بتنوعها الإيقاعي وقدرته على تطويل الجملة الموسيقية
وجنوحه نحو تجاوز الهياكل اللحنية للغناء التقليدي والمزج بين العناصر التقليدية
والعناصر المستحدثة وميل المرشدي فيها إلى تغليب عناصر التحديث..وهنا يتحدث النقاد كثيراً عن التجربة
الموسيقية واللحنية للمرشدي وإضافاته في الغناء التجديدي الحديث.
منذ بداية
تجربته وهو مهموم بالارتقاء
بثقافته وتطوير تجربته التي بقي فيها مشتغلاً على التراث الفني لبلده؛وهو الاهتمام
الذي لم ينحصر في الغناء والتلحين بل واكبه بالبحث والدراسة؛فاصدر عدد من الكتب
والمؤلفات القيمة التي تمثل إضافات نوعية للمكتبة اليمنية؛بدءاً من أول كتبه الصادر
في العام 1959م،وهو كتاب"أغانينا الشعبية"والذي عده النقاد "أول وثيقة معاصرة عن
الغناء في اليمن،وأول جهد حاول وضع ضوابط لحركة الغناء وخاصة ما يتعلق بالتجديد
الغنائي الذي كانت تزخر به عدن حينها"،وكانت تلك الفترة تشهد بداية تألقه
الفني كأحد الفنانين المجددين الذين ينطلقون من قاعدة تراثية سليمة،ومن فهم عميق
للفن الذي يطمح إلى تجديده،وكما يقول شاعر اليمن الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح فقد
كان تجديده كغنائه مقبولاً وموصولاً بالمقومات الأساسية التي تجعل من الغناء
تعبيراً مباشراً عن أشجان البشر وأحلامهم وعن أرضهم ومجال الطبيعة في بلاده..وكان المرشدي في تلك
الفترة الفنان الوحيد في عدن - والكلام مازال للمقالح- الذي يسعى إلى
تطوير ثقافته الفنية والأدبية والوحيد
الذي تشغله اهتمامات الجمع بين الفن والثقافة.كان ذلك مما كتبه
المقالح في تقديم كتاب المرشدي "الغناء اليمني القديم ومشاهيره"الصادر في العام1983م،وهو الكتاب
الثاني تلاه كتاب"أغنيات وحكايات" وكتاب مذكراته"صفحات من
الذكريات"...وعقب وفاته أعلنت جامعة عدن التزامها بطباعة أعماله الكاملة
متضمنة جميع أعماله الفنية مع النوتة ..عرفاناً بمكانته وعظيم منجزه .
هذه التجربة المضيئة للفنان الراحل مطرباً وعازفاً
وملحناً ومؤرخاً موسيقياً تبلورت في خضم حياة مضنية...حيث ولد في العام 1929م لأسرة عدنية فقيرة،وتلقى تعليمه في الكتَّاب وختم القرآن الكريم في سن مبكرة،وبعد إتمامه
المرحلة الابتدائية بالمدرسة الحكومية لم يتم له إكمال الدراسة في المدرسة
المتوسطة واضطرته الظروف لترك المدرسة والعودة إلى الكتاتيب مرة أخرى.
كانت بدايته الغنائية من
البيت متأثراً بأبيه الذي كان
يجيد الغناء
..وعندما بدأ يمارس الغناء في المرحلة الابتدائية قوبل بالتشجيع حتى صار يغني في (حفلات الأعراس) ساعده على ذلك تعلم
العزف على آلة العود،وخلال فترة قصيرة أصبح مشهوراً،واستطاع
من خلال انضمامه للندوة الموسيقية العدنية والاحتكاك بالفنانين الكبار تطوير
تجربته إلى
أن جاءته
الفرصة عندما سمعه يغني الشاعر الراحل محمد سعيد جرادة فتفاجأ بصوته وأقترح عليه
التلحين وكتب له قصيدة بعنوان "وقفة" أخذها المرشدي وقام بصياغة لحن لها،وكانت باكورة أغانيه ومن أنجحها...
على هامش هذا التجربة شغل المرشدي
عدد من المواقع الوظيفية الحكومية قبل إعادة تحقيق الوحدة اليمنية منها عضوية مجلس الشعب طوال ثمانينات القرن
العشرين و رئاسة اتحاد الفنانين اليمنيين وبعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990 أصبح مستشاراً لوزير الثقافة وانتخب عام 1997 عضواً بمجلس النواب .
وتقديراً
لعظمة هذه التجربة نال العديد من الأوسمة وتم تكريمه في عدد من المناسبات في اليمن
كما تم تكريمه عربياً كأحد رواد الأغنية اليمنية والعربية،حيث كُرِّم في سلطنة عُمان والبحرين والمملكة العربية السعودية،والمعهد العربي في باريس وملتقى الرواد العرب في دمشق وغيرها..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق