2 أغسطس 2016

إبّ... كرنفالُ الطبيعة و أعراسُ المطر

     أحمد الأغبري
    فرحاً بأعراسِ المطرْ، أعشوشبَ التراب، و أعرورشَ الحجر ، و تجوهرت  الينابيع ؛ فصار المشهد  كأنه كرنفال أسطوري لجمال الطبيعة.. جمالٌ تعجز عن تصويره ريشةُ فنان، كما تحارُ في وصفه قصيدةُ شاعر !
        سلاسلُ المرتفعات تزهو بغلائل خُضر تنسابُ من قمم الجبال بفرحةِ طفل  ملقيةً بدهشةِ السؤال في وجه القرى المعلقة ، و بابتسامة الانجاز في وجه المدرجات الزراعية، لتمنح السهول والروابي والوديان والجداول  و كل شيء هنا  معنى مختلفاً لجمالِ الحياة؛ جمالٌ حي تتجسدُ معانيه في كل عناصر الصورة. 


                                                             اللواء الأخضر
     هنا في محافظة (إبّ) /  193كيلو متراً  جنوب صنعاء .. انسكبَ جمالُ الطبيعة باذخاً بسحرٍ أسطوري، أو هكذا تشعرُ من  الدهشةِ التي تُوقعِك في شِراكها من النظرات الأولى : جمال تظهر معه تضاريس هذه المحافظة كأنها " زمردة خضراء جرى فوق وجهها قضيب من البلور"  .. فتَدَاخِلُ تفصيلات الصورة يُظهِر هذه المحافظة كأنها جناناً سندسيةً مرصعةً بجداولٍ تظهرْ كأنها عقود لؤلؤ.

    إنه – حقاً - جو عيد: عيدٌ تعيشهُ الأرضُ هنا، في صيفِ كل عام، فرحاً بموسم الأمطار.. عندما تلثم السماء قلبَ اليمنِ الواقع هنا؛ فينبضُ بالحياة؛ فتخضرُ الأرض.
     
    تتشكل تضاريس محافظة إب ( بكسر الهمزة وتشديد الباء ) والواقعة في الجزء الأوسط من الجمهورية اليمنية، من سلاسلِ جبلية  محفور عليها مدرجات انطلقت منها مروجٌ خُضر .. مروجٌ تصِلْ قمم هذه المرتفعات بالسهول والأودية  التي هي هناك من أخصب أراضي اليمن، وتُنبِت مُختلف أنواع الخُضرة والحبوب والفاكهة.. و لذا فقد سُميت هذه المحافظة ب(اللواء الأخضرلوديانها النظيرة، و جبالها الخضِيرة .. وهو ما جعل منها، عبر تاريخها المُمتد إلى ماقبل الإسلام،  بلدةً  بجمالها مشهورة، و بفضلها مذكورة، و لطبيعتها الساحرة  صارت قِبلةً مقصودة . 
                               حكاية جمال 
     على قِمة (جَبل سُمارة) الذي يُعدّ من أشهر مرتفعات هذه المحافظة.. استوقفتنا مشاهدُ الطبيعةِ الساحرة.. فأرحنا السيارة القادمة بنا من صنعاء جانباً في الطريق؛ لنترجل عنها .. وعلى بُعد خطوات منها تسمّرنا من فرط دهشةِ التفصيلات: تفصيلاتُ مشهدٍ عبقري الصُنع ساحرُ الجمال: جمالٌ تحولتْ معه تلك التضاريس بالغةُ الوعورة و القسوة إلى تقاطيع بالغة الرومانسية.. فيتدفقُ المشهد فيوضاً من الجمال على امتداد بصرك. 
 
   أي جمالٌ هذا هو إفراز امتزاجِ قسوة الطبيعة برقتها؟! نعايشُ دهشة هذا التساؤل، ونحن نرى تضاريساً وعرةً جداً عبارة عن مُرتفعات جبلية تتخللها وديانٌ عميقة، تجري في ممراتٍ ضيقة ، لها مُنحدرات حادة و طويلة.. لكن هذه الوعورة والقسوة صارت إلى خصيصة جمالية ؛ فالموقعُ الجغرافي والارتفاع عن مستوى سطح البحر قد منح (إب) اعتدالاً في المناخ طوال العام فضلاً عن أرض خصبة صالحة للزراعة عِمادها الأمطار الموسمية التي تتحول إلى سيول(أنهار خريفية) من خلال مجموعة الأودية .. وهي مقومات كان لها دور في إتباع نظام مُكثّف للزراعة، دفعَ الإنسان لاستثمار كل شيء هنا؛ فطوع  قسوة التضاريس بما يلبي حاجاته ويستغل خصوبة أرضه؛ فتجاوز السهول والوديان مُمتداً بمروجه الخضر إلى المرتفعات فحولها إلى جزء من ضحكة الطبيعة، عبر مُدرجات زراعية لم يتوقف عندها بل تجاوزها إلى القمم فشيّد عليها الحصون، و بنا فيها البيوت؛ فكانت القرى المُعلقة التي يهزّك مشهدُها فتغرق في تساؤلاته:  لماذا هذا المكان؟ وكيف تسير حال المعيشة في مكان حدوده الهاوية؟! كيف يصل ساكنو هذه البيوت إلى مَنْ هُم في الوديان، وكيف يصعد من في الوديان إليهم؟!.. إنها الطبيعة والصراعات  فرضت على الإنسان هنا عبر التاريخ  تفضيل سُكنى الأعالي.
       
    من قمة (جبل سُمارة) يمكنُ  للزائر الإحاطة بتفصيلات مشهدِ الكرنفال.. 
كل شي يرقص مع الريح .. 
كل شيء يُغنى مع الهواء .. 
كل شيء يحتفي بالطبيعة على إيقاع جماله الخاص.. 
كل شيء، هنا، يرسم في الاحتفال خصوصية فرحته .. 
كل شي، هنا، يدعوك لتسمع منه الحكاية: حكايةُ جمالٍ اخترقت أسطورتُه قسوةَ المرتفعات لتكون واقعاً حياً في الوديان، حيثُ ثارت الحياة لتضوُّع بعطرها تضاريس كل شيء، لترسِمُ في وجه كل شيء ضِحكتها.. هذه الضحكة  التي تبدأ خريطتها من قيعان السهول والوديان .. 

   هذه الوديان التي تنساب ممراتها مُنحدرة غرباً وشرقاً؛ فأما التي في شرق المحافظة؛ فتصبُ في سهل تهامة، وأما التي في غربها فتصبُ في خليج عدن.. ومن فرطِ جمال هذه الوديان فقد تغنّى بها العديد من الشعراء، و أنشدها غناءً العديد من أصوات الأغنية اليمنية، ويأتي في مقدمة هذه الأودية شهرةً (وادي الدُّورَ) الذي لايزال صوت الفنان أبوبكر سالم بلفقية يُدندن بأغنية (وما مُغرد بوادي الدور) منذ سنين عديدة، و مثل ذلك (وادي بنا) فصوت الفنان الراحل علي الآنسي  من خلال أغنية ( يا ريم وادي بنا) لا يزال، منذ أكثر من عشرين سنة، يحاولُ رسم صورة أقرب إلى جمال هذا الوادي. أما المرتفعات فتتقاسم الجزء الشمالي و الجنوبي  من خلال سلاسل جبلية تحمي القيعان، و تشِكلُ مع الوديان فردوساً من فراديس الجنان ، التي  لا تتجلى  سوى في الحُلم  . 

   
                            تَجددُ التفصيلات
   و أنتَ ما تزال تقرأ تفصيلات المشهد مِن تلك القمة سيدهشك- أيضاً- ذلك التجدُد والتنوع في جمال التفصيلات، وهو تجدُد وتنوع تلحظه عيناك كلما ارتفعتْ الرؤية مع المرتفعات وهبطت في الوديان، وتنقلتْ في الروابي والسهول، وتملّت في عادات وتقاليد وفنون الحياة لدى أهالي البلدات..  
      و أنتَ ما تزال غارقاً في التأملِ المُشبّع بالتساؤلات ستجد السيارة قد تجاوزت بك مخاوف منحدرات جبل (سُماَره) التي تتلوى فيها الطريق كأفعى تتأهب لاختطاف حياة من يخرج عن المسار.. 
      فالدهشة الناتجة عن سحر المناظر تحْوُل بين النفْس و معايشة تلك المخاوف؛ فتجعلها لا تُغادر الأحاسيس الجميلة التي تولّدها تلك المروج الخُضر، حين تغوص ببصرك في تفصيلاتها ، إلى أن ترسو بعينيك على شواطئ مشهد تلك المدينة الكبيرة التي تتوسط تلك السلاسل الجبلية.. تلك المدينة الواقعة على السفح الغربي لجبل (ريمان).. 
   إنها(إب) عاصمة المحافظة .. تلك المدينة الرابضة على ربوة هضبة مرتفعة نسبياً.. يا له من موقع تحفُ رقعته الطبيعة بكل رهبتها و بهجتها!
 
         عند وصولنا إلى مدينة ( إب) وجدنا مساحتها العمرانية  قد اتسعت في السنوات الأخيرة، بل مازال البناء يبسط وحشته متوسعاً على حساب أراضي زراعيةٍ في أعالي الرُبى والسهول المحيطة بالمدينة. 
        وأنا  على شُرفة الفندق  اتأمل  المدينة  و مُحيطها، وجدتها كأنها  المُحتفى به في كرنفال الطبيعة التي تشهده المحافظة. فهذه المدينة  تتوسط سلاسلَ مرتفعاتٍ كعروس ٍعلى كرسي عُرسها .. 
       في هذه المدينة ترقصُ روحك على إيقاعات جوها الطليق في سيمفونية يعزفُ لحنها الشمسُ والمطر؛ ففي  حرور الظهيرة ستُفاجِئك السماءُ برذاذ المطر دون خجلٍ من الشمس، التي تضطرُ إلى الانسحاب بضوئِها بهدوء، لتعود بهدوء، خلال دقائق، دون  خجلٍ من المطر، الذي يضطرُ هو الآخر إلى الانسحاب بقطراته احتراماً لضوء الشمس.. وهي إيقاعات لا تخلوُ منها منطقة من مناطق هذه المحافظة، وبخاصة في فصل الصيف!

                              جمالٌ وتأريخ 
    في هذه المحافظة القديمة مآثر حضارية لا حصر لها .. بدءاً من مدينة إب القديمة التي  تبرز مَعلماً أثرياً هاماً و كغيرها من المُدن الإسلامية المُهمّة، لها سور  مبنيّ  من الحجارة  وله خمس بوابات،و تؤدّي مداخل البوّابات إلى ممرٍّ مرصوف  بالحجارة، يتخلل الحارات السكنية و الأرقة الضيقة والمتعرجة وغير المنبسطة والأسواق والمساجد وصولاً إلى وسط المدينة و إلى جامعها  الكبير الذي يعتبرُ من أقدم المساجد باليمن بعد الجامع الكبير بصنعاء، ومسجد الجَند.  

   احتلت أراضي  محافظة إبّ مكانةً مرموقة في التاريخ اليمني خلال مراحله المختلفة فقد احتضنت أهم المراكز الاستيطانية من عواصم وحواضر الدولة اليمنية المركزية خلال فترات التاريخ القديم وعصر الدويلات الإسلامية، حيث ظهرت الدولة الحميرية بـ ( قاع الحَقل) المعروف بأرض يحصُب وذلك ابتداءً من العام ( 115 قبل الميلاد)، وكانت مدينة ظفار التاريخية عاصمتها لمدة تزيد عن ( 640 عاماً)، ولمّا بدأت مدينةُ ظفار التاريخية تفقد أهميتها ظهرت مدينة (المُذَيْخِرَة) التي تبعد  نحو (35) كيلو متراً تقريباً من مدينة إب كعاصمة لملوك الكلاعيين - المناخيين - من أقيال حِمّير في الجاهلية والإسلام، حيثُ استمرت عاصمتهم حتى سقطت على يد "علي بن الفضل الخنفري" عام (292 هجرية)، وأتخذها عاصمة لدولته، والتي استمرت حتى تم القضاء على زعيمها عام ( 302 هجرية ) - ( 914 ميلادية ) ، ومع ظهور عصر الدويلات الإسلامية ظهرتْ على بُعد  سبعة كيلومترات من مدينة إب مدينة (جِبلة) عندما اتخذها " أحمد بن علي بن محمد الصليحي" عاصمة للدولة الصليحية، التي حَكمت اليمن خلال الفترة  ( 438 - 532 هجرية ) ( 1047 - 1138 ميلادية )، وكان آخر ملوك الدولة الصليحية الملكة " أروى بنت أحمد "  ( 477 - 532 هجرية ) - ( 1085 - 1138 ميلادية ) 
       
   صفوة القول : إب .. محافظةٌ و مدينةٌ  كفاها امتيازاً أنها لليمن  الحضاري قلبه النابض بالجمال والانجاز .. معادلة لا يمكن الوقوف على طرفيها و قراءة  تفصيلاتها في هذه الزيارة القصيرة . 
   --------------
    
   النصُ من وحي زيارة سابقة للمحافظة والمدينة ، ونشر  في أكثر من وسيلة اعلامية منها مجلة دبي الثقافية و مجلة يمن انفست.
 

* الصورة من موقع 26 سبتمبر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق